السيد كمال الحيدري
183
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
عن ورقة تجهل لونها بالضبط ، غير أنك تعلم على أيّ حال أنها ليست سوداء وبيضاء في وقت واحد ، فتقول إن أحد اللونين على الأقلّ ( السواد أوالبياض ) غير موجود في الورقة ، ولا تستند في تأكيدك لهذا النفي غير المحدّد إلى رؤيتك للورقة وإحساسك بلونها ، لأنك لو كنت قد رأيت الورقة لاستطعت أن تحدّد لونها بالضبط ، وإنما تؤكّد ذلك النفي غير المحدّد قبل رؤية الورقة نتيجة للعلم المسبق بأنّ السواد والبياض لا يجتمعان في شيء واحد . كما أن علمك غير المحدّد بأنّ أحد كتب التاريخ قد فُقد من مكتبتك لا يمكن أن يكون نتيجة لتفتيش شامل للمكتبة كلّها ، إذ في هذه الحالة سوف تعرف عادةً الكتاب المفقود بالضبط ، ولن يكون النفي لديك غير محدّد ، فيجب أن يكون هذا العلم نتيجة لشيء آخر . ونحن إذا درسنا الظروف التي ينشأ فيها العلم بنفي غير محدّد ( العلم الإجمالي ) نجد أن هذا العلم يتولّد في حالتين : الأولى : أن يدرك الإنسان التمانع بين شيئين أو مجموعة من الأشياء ، فيعلم على هذا الأساس بنفي غير محدّد ، أي بأنّ واحداً منها على الأقلّ غير موجود ، لأنّ افتراض وجودها جميعاً لا ينسجم مع التمانع الثابت بينها ، ومثال ذلك العلم بنفي أحد اللونين على الأقلّ البياض أو السواد عن الورقة ، فإن هذا العلم نشأ عن إدراك التمانع بين السواد والبياض واستحالة اجتماعهما . والعلم في هذه الحالة ينصبّ بطبيعته على عدم اجتماع السواد والبياض ، والمعلوم بهذا العلم هو عدم اجتماع اللونين ، لا عدم هذا ولا عدم ذاك . الثانية : أن لا يدرك الإنسان أيّ تمانع بين وجود هذا الشيء